قيم هذا الكتاب
خواطر الشعراوي - سورة الكوثر
في لحظات الضعف الإنساني، حين رشق المشركون قلب النبي ﷺ بكلمات جارحة تصفه بـ 'الأبتر' إثر فقده لأبنائه الذكور، لم تكن سورة الكوثر مجرد آيات تتلى، بل كانت 'جبرًا إلهيًا' نزل من فوق سبع سماوات.
لقد قلبت السورة موازين القوة؛ فأبدلت ضيق المحنة باتساع 'الكوثر' الذي لا ينفد، وحوّلت شماتة الأعداء إلى خزيٍ أبدي بقطع ذكرهم، بينما ظل اسم محمد ﷺ موصولاً بالصلاة والثناء في كل مئذنة وقلب.
إنها رسالة طمأنة لكل صاحب حق يُستضعف: أنَّ العطاء الرباني كفيلٌ بأن يُنسيك مرارة السخرية، وأنَّ من كان الله معه، فذكره هو الخالد وأعداؤه هم المنقطعون.
الأفكار الرئيسية للكتاب
-
عطاء الله اللامحدود (الكوثر): تكريم النبي ﷺ بالخير الكثير الذي يشمل نهر الجنة، والنبوة، وكثرة الأتباع.
-
فلسفة المقابلة الإيمانية: مقابلة صفات ذميمة في سورة الماعون (البخل، الرياء، منع الخير) بصفات محمودة في سورة الكوثر (العطاء، الإخلاص، النحر).
-
شكر النعمة بالعبادة والبذل: الربط بين نيل العطاء وبين الاستمرار في الصلاة والتضحية (النحر) كنوع من الامتنان.
-
حتمية انقطاع الباطل: التأكيد على أن معاداة الحق تؤدي بصاحبها إلى النسيان والضياع (الأبتر)، مهما كان لديه من بنين أو جاه.
ماذا تجد في الكتاب؟
-
تصحيح للموازين: تجد أن القيمة ليست بكثرة الأولاد (مقياس الأرض)، بل بطيب الأثر والصلة بالله (مقياس السماء).
-
علاجاً نفسياً: طمأنة للنبي ﷺ ولكل صاحب حق يتعرض للأذى واللمز.
-
دعوة للبذل: حثاً على الإنفاق والشعور بالفقير (النحر) كجزء لا يتجزأ من العبادة.
-
إعجازاً في الإيجاز: أقصر سور القرآن لكنها تحمل بشارات كبرى ووعيداً حاسماً.
مُختصر المُختصر
تعد سورة الكوثر نموذجاً فريداً لرد اعتبار الحق وإعلاء شأن النبوة. تبدأ السورة بإعلان إلهي مؤكد بضمير التعظيم "إِنَّا" يبشر النبي ﷺ بعطاء "الكوثر"، وهو مصطلح جامع لكل خير كثير، من نهر الجنة إلى رفعة الذكر وكثرة الأتباع. ويأتي هذا العطاء رداً على من اتهم النبي بأنه "أبتر" (منقطع النسل)، لتبين السورة أن النسب الحقيقي للرسل هو أمتهم ودعوتهم الباقية.
تتجلى عبقرية السورة في "التقابل" مع سورة الماعون؛ فبينما عرضت الماعون صفات المكذبين من بخل ورياء ومنع للخير، جاءت الكوثر لتأمر بالإخلاص في الصلاة لله وحده "فَصَلِّ لِرَبِّكَ"، والبذل السخي عن طريق "وَانْحَرْ"، وهو فعل يتطلب يقيناً بأن المعطي هو الله وأن الإنفاق لا ينقص المال بل يزيده صلة بالمدد الإلهي.
وتختتم السورة بحقيقة كونية وتاريخية: أن من عادى المنهج النبوي وسعى لقطع ذكره هو "الأبتر" الحقيقي؛ أي المقطوع من كل خير، والمنسي في سجلات الخلود. فالسورة ليست مجرد إخبار بنهر في الجنة، بل هي دستور للمؤمن يعلمه أن كثرة العطاء تقتضي كثرة الشكر، وأن العزة تُستمد من الصلة بالخالق لا بمقاييس البشر الزائلة. وهكذا يبقى ذكر النبي ﷺ موصولاً في كل مآذن الدنيا، بينما غاب شاتئوه في طيات النسيان.
الإقتباسات
“ارتباط سورة الكوثر بسورة الماعون هو ارتباط التقابل؛ فقد عرضت الماعون التكذيب بالدين، والسهو عن الصلاة، والمراءاة، والبخل، فجاءت الكوثر لتقابل ذلك بالعطاء، والإخلاص في الصلاة، والبذل.“
“ لما مات أبناء رسول الله الذكور قالوا إنه أبتر، أي مقطوع الذكر. لكن الحق يبين أن نسب الرسل ليس في أبناء أصلابهم، وإنما في أمتهم وأتباعهم؛ ولذلك بقي ذكر سيدنا محمد موصولًا في كل من يتبعه ويدعو بدعوته.“
“ "إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ".المعطي هنا هو الله، والمعطى له هو رسول الله، والشيء الذي أعطيه هو الكوثر. وكلمة الكوثر أوسع الكلمات دلالة على الكثرة.“
“ وقد قال رسول الله عن الكوثر هو نهر في الجنة، وعدني به ربي، تشرب منه أمتي يوم القيامة. وقال ابن عباس: هذا النهر بعض الكوثر؛ لأن الكوثر يشمل أشياء كثيرة مثل النبوة، والقرآن، ورفع ذكر الرسول، وكثرة أتباعه.“
“ وقوله تعالى "إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ" فيه توكيد للعطاء؛ لأن تقديم الـضـمير إنا يدل على التعظيم. فإذا كان العطاء من الله فهو عطاء ممن لا حدود لإمكانياته، والذي عنده لا ينفد، فهو موصول دائمًا.“
“ العطاء يتطلب ثلاثة أركان: منعم، ونعمة، ومنعم عليه. فالحق هو المنعم الذي لا حد لإمكانياته وعطاؤه موصول، والرسول هو المنعم عليه؛ فلابد أن تذكر نعمة المنعم وتصلي له "فَصَلِّ لِرَبِّكَ"؛ لأنه هو الذي أعطى.“
“ جاء في الحديث: "لا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ"؛ فمن ربط كيسه عن الناس وحبس خيره حرم، ومن فتح كيسه وبذل لله، غمره الله بمدده الذي لا ينفد.“
“ فصل لربك صلاة كثيرة، أى لا تخفف نفسك عن الصلاة، وانحر لربك نحرا كثيرا، ما سمحت نفسك بالنحر.“
“ "إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ" تعني أن الذي يعاديك أيها الرسول ويكذب رسالتك، هو الذي سينقطع ذكره وأثره، ولن يظل له باقٍ في الأرض أو في الناس.“
““
قد يعجبك قرائتها ايضا